ابن العربي

190

أحكام القرآن

وتحقيق هذا القول أنّ الطلاق كان في الجاهلية فعلا مهملا كسائر أفعالها ، فشرع اللّه تعالى أمده ، وبيّن حدّه ، وأوضح في كتابه حكمه ، وعلى لسان رسوله تمامه وشرحه ، فقال « 1 » علماؤنا [ رحمة اللّه عليهم ] « 2 » : طلاق السنّة ما اجتمعت فيه ثمانية شروط ، بيانها في كتب الفروع : أحدها - تفريق الإيقاع ومنع الاجتماع ، تولّى اللّه سبحانه بيانه في هذه الآية ، وهذا يقتضى أن تكون طلقتين متفرقتين ؛ لأنهما إن كانتا مجتمعتين لم يكن مرتين . ورأى الشافعي أنّ جمع الثلاث مباح ، وذلك يدلّ عليه قوله تعالى « 3 » : لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً . وكذلك يقتضى حديث ابن عمر المتقدم سياقه أمرين : أحدهما - تفريق الإيقاع . والثاني - كيفية الاستدراك بالارتجاع ، وهي أيضا تفسير المراد بالكتاب لقوله : فتلك العدّة التي أمر اللّه تعالى أن يطلّق لها النساء . المسألة الرابعة - إن هذه الآية عرّف فيها الطلاق بالألف واللام ؛ واختلف الناس في تأويل التعريف على أربعة أقوال : الأول : معناه الطلاق المشروع [ مرّتان ] « 4 » ، فما جاء على غير هذا فليس بمشروع ؛ يروى عن الحجاج بن أرطاة والرافضة قالوا : لأنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم إنما بعث لبيان الشرع ، فما جاء على غيره فليس بمشروع . الثاني - معناه الطلاق الذي فيه الرجعة مرّتان ؛ وذلك لأنّ الجاهلية كانت تطلّق وتردّ أبدا ، فبيّن اللّه سبحانه أنّ الردّ إنما يكون في طلقتين ، بدليل قوله تعالى « 5 » : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ . الثالث - أنّ معناه الطلاق المسنون مرّتان ؛ قاله مالك . الرابع - معناه الطلاق الجائز مرّتان ؛ قاله أبو حنيفة . فأما من قال : إنّ معناه الطلاق المشروع فصحيح ؛ لكن الشرع يتضمّن الفرض والسنّة والجائز والحرام ، فيكون المعنّى بكونه مشروعا أحد أقسام المشروع الثلاثة المتقدمة ، وهو

--> ( 1 ) في ل : قال . ( 2 ) ليس في ل . ( 3 ) سورة الطلاق ، آية 1 ( 4 ) ليس في ل . ( 5 ) سورة البقرة ، آية 229